القرطبي
243
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه . ( فأين تذهبون ) قال قتادة : فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته . كذا روى معمر عن قتادة ، أي أين تذهبون عن كتابي وطاعتي . وقال الزجاج : فأي طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم . ويقال : أين تذهب ؟ وإلى أين تذهب ؟ وحكى الفراء عن العرب : ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق : أي إليها . قال : سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة ، وأنشدني بعض بني عقيل : تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا * وأي الأرض تذهب بالصياح يريد إلى أي أرض تذهب ، فحذف إلى . وقال الجنيد : معنى الآية مقرون بآية أخرى ، وهي قوله تعالى : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " [ الحجر : 21 ] المعنى : أي طريق تسلكون أبين من الطريق الذي بينه الله لكم . وهذا معنى قول الزجاج . ( إن هو ) يعني القرآن ( إلا ذكر للعالمين ) أي موعظة وزجر . و " إن " بمعنى " ما " . وقيل : ما محمد إلا ذكر . ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) أي يتبع الحق ويقيم عليه . وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى : لما نزلت " لمن شاء منكم أن يستقيم " قال أبو جهل : الامر إلينا ، إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم - وهذا هو القدر ، وهو رأس القدرية - فنزلت : " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " ، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله ، ولا شرا إلا بخذلانه . وقال الحسن : والله ما شاءت العرب الاسلام حتى شاءه الله لها . وقال وهب بن منبه : قرأت في سبعة ( 1 ) وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء : من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر . وفي التنزيل : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " [ الانعام : 111 ] . وقال تعالى : " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " [ يونس : 100 ] . وقال تعالى : " إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " [ القصص : 56 ] والآي في هذا كثير ، وكذلك الاخبار ، وأن الله سبحانه هدى بالاسلام ، وأضل بالكفر ، كما تقدم في غير موضع . ختمت السورة والحمد لله .
--> ( 1 ) في تفسير الثعلبي : بضعة وثمانين .